الحصول على التمويل يعيد تشكيل المشهد أمام رائدات الأعمال

مقال
تاريخ النشر: 
03/2018
المؤلف: 
إناي ريبراس، إدارة التواصل، مؤسسة التمويل الدولية

تجربة مؤسسة التمويل الدولية في لبنان

إن هذه القصة هي جزء من سلسلة قصص حول جهود مؤسسة التمويل الدولية ومساعيها الرامية إلى المساعدة في خلق أسواق جديدة تتيح للناس في الدول النامية فرصًا جديدة وواعدة. لقد ساعدت هذه المساعي والمناهج المبتكرة في حل مجموعة من أبرز التحديات التي تواجهها تلك الدول أو في بعض الأحيان المناطق بأكملها. 

نانسي الأسمر في ورشتها مع زوجها روجر تومي. تصوير: دومينيك شافيز – مؤسسة التمويل الدولية.

أبدع الحرفيون على مر العصور فن الماركتري – تطعيم الخشب بالقشور الخشبية لتشكيل أنماط زخرفية – لصنع قطع الأثاث والمشغولات الفاخرة التي تزيّن المنازل المترفة. لا تتطلب هذه الحرفة مهارة فنية وحسب، بل تستلزم أيضًا وقتًا طويلًا وعملًا مضنيًا، وقد يستغرق الفنان في بعض الأحيان شهرًا كاملًا لإتمام عمله على صندوق صغير واحد ليس إلا.

يعتبر الكثيرون أن فن الماركتري فنّ عتيق متجه نحو الانقراض ولا سيما بسبب العمل المكثف الذي يستلزمه. لكن لطالما اعتبرت المصممة اللبنانية نانسي الأسمر هذا الفنّ فرصة للعمل.

تقول نانسي الأسمر، البالغة من العمر 31 عامًا والتي عرّفها حموها الحرفي الماهر على فنّ الماركتري: "أردت أن أعرّف جيلي بهذه الحرفة قبل أن تندثر، وذلك عبر مزج الأعمال القديمة المتوارثة مثل الفسيفساء والماركتري مع المواد الجديدة والمعاصرة".

استثمرت نانسي الأسمر مدخراتها لافتتاح أول ورشة لها عام 2008، وسرعان ما ازداد عدد الطلبات المرسلة إليها. ولم يكن باستطاعتها تلبية هذه الطلبات إلا بعد توسعة الورشة، لكن نقص التمويل حال دون إمكانية تحقيق ذلك.

تقول نانسي الأسمر عن ذلك: "لم يأخذ أحدٌ عملي على محمل الجد في البداية". وبالفعل ولإنها امرأة، كان من الصعب على الموردين الوثوق بقدراتها. كما وجدت صعوبة في إقناع المصارف بأنها مُقترض جدير بالثقة حيث لم تملك سجّل ائتماني ليدعمها.

بيد أنّ البنك اللبناني للتجارة (BLC Bank)، وهو أحد عملاء مؤسسة التمويل الدولية، آمن برؤية نانسي الأسمر. فمنح المصرف ورشة الأسمر "ماديرا كرييشنز" قرضًا بقيمة 50,000 دولار أمريكي، وذلك من خلال المنصة التي أطلقها المصرف مؤخرًا والمخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء. يعمل مع نانسي الأسمر حاليًا 20 موظفًا لإحياء فنّ الماركتري مجددًا من أجل جيل جديد من العملاء المتذوقين لهذا الفن، واليوم يؤدون عملهم في موقع أكبر يستوعب متطلبات المشروع.

مشهد معقد

تعمل الشركات الصغيرة والمتوسطة مثل "ماديرا كرييشنز" على دفع عجلة الاقتصاد اللبناني. فهي تشكّل 97 بالمئة من جميع الشركات في الدولة، وتوظّف أكثر من نصف السكان. إلا أنّ القطاع المالي لا يوفر خدمات كافية لرائدات الأعمال كما يتضح من حالة نانسي الأسمر. فبالرغم من امتلاك النساء 33 بالمئة من الأعمال إجمالاً، فإنهن لا يحصلن إلا على 3 بالمئة فقط من القروض المصرفية.

يحاول البنك اللبناني للتجارة تغيير هذا الوضع، وبدعمٍ من مؤسسة التمويل الدولية، أطلق المصرف برنامج مبادرة تمكين المرأة (WE Initiative) في عام 2012. يوفّر هذا البرنامج حزمة من الخدمات المالية التقليدية بالإضافة إلى خدمات أخرى تهدف إلى تعزيز قدرة العميلات على إدارة أعمالهنّ، مثل فرص التدريب وتوسيع شبكة المعارف.

وفي هذا الصدد، صرّحت السيدة تانيا مسلّم، المدير العام المساعد في البنك اللبناني للتجارة: "لا يمتلك رواد الأعمال في العادة الوقت الكافي لممارسة أعمالهم، والوضع أسوأ بالنسبة لرائدات الأعمال نظرًا لمسؤولياتهنّ المنزلية. لذلك، طرحنا المزيد من الوسائل الرقمية في مصرفنا وبدأنا بتوفير خدمات تأخذ احتياجات المرأة بعين الاعتبار".

يقدّم المصرف، على سبيل المثال، قروضًا بدون ضمانات للشركات التي مرّ عامان على الأقل على تأسيسها والمملوكة للنساء، كما يوفّر حسابًا ائتمانيًا للأمهات يسمح لهن بفتح حسابات لأولادهنّ القاصرين ليستفيدوا منها دون الحاجة إلى موافقة ولي أمر الطفل، وهو أمر محظور عادة في لبنان.

كما درّب المصرف موظفيه على اكتشاف أي تحيّز غير مقصود عند التعامل مع العملاء من النساء، واتخذ إجراءات لتشجيع المساواة بين الجنسين: عن طريق طرح إجازة الأبوة لأول مرة ووضع هدف تحقيق التكافؤ بين الجنسين على مستوى الإدارة العليا بحلول عام 2020، من بين جملة إجراءات أخرى.

تقول تانيا مسلّم: "نجح البرنامج في خلق سوق في القطاع المالي بل وساهم في زيادة الوعي بدور المرأة في المجتمع أيضًا".

وقد أثمرت هذه الجهود فعلًا، إذ يخدم المصرف اليوم 32,000 عملية مع إجمالي قروض مستحقة للنساء تزيد على 190 مليون دولار. ويستفيد البنك اللبناني للتجارة من أسلوب العمل هذا باكتساب قاعدة من العملاء الجديرين بالثقة؛ فالنساء تسجل معدلات أعلى في سداد القروض إجمالًا مقارنة بالرجال وغالبًا ما يُعتبرن مستثمرين أكثر حرصًا وعملاء أكثر ولاء للمصرف. 

تشكيل أسواق مالية أكثر شمولية

إن تعزيز إمكانية حصول المرأة على التمويل جزءٌ أساسي من جهود مؤسسة التمويل الدولية لخلق أسواق يكون لها تأثير تنموي مستدام. كما أنه خطوة هامة على الطريق نحو تحقيق هدف مجموعة البنك الدولي المتمثل في تمكين مليار شخص من الحصول على خدمات التمويل بحلول عام 2020.

وفي وقت سابق من هذا العام، وبمناسبة انعقاد قمة قادة مجموعة العشرين، أقدمت مجموعة البنك الدولي على اتخاذ خطوة للأمام بإعلانها إطلاق مبادرة تمويل رائدات الأعمال (We-Fi). وتهدف المبادرة إلى تمكين أكثر من مليار شخص يتلقون خدمات التمويل من تحسين حصولهم على رأس المال وتوفير المساعدة الفنية لهم والاستثمار في المشاريع والبرامج التي تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء، ويؤدي البنك الدولي دور الأمين على هذا التسهيل. 

حرفيون في ورشة ماديرا، لبنان. تصوير: دومينيك شافيز – مؤسسة التمويل الدولية.

تجدر الإشارة إلى أن كل من النساء والرجال يحتاجون إلى فرص متساوية للحصول على التمويل، لكن النساء يواجهن عقبات أكبر عند إطلاق أعمالهن أو عند تطويرها. وتقدّر الفجوة في حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء على التمويل بمبلغ 300 مليار دولار في السنة. كما يُعتبر عدم الاستفادة من إمكانات النساء الإنتاجية فرصةً اقتصادية كبيرة ضائعة.

بهدف تعزيز الشمولية في أسواق التمويل، تتعاون مؤسسة التمويل الدولية مع المصارف، مثل البنك اللبناني للتجارة، وشركات التأمين لمساعدتها في تصميم منتجات وخدمات تفيد النساء والرجال على حد سواء. كما أننا نستثمر في هذه المؤسسات كي تتمكن من منح القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء. وقد استثمرت مؤسسة التمويل الدولية 1.6 مليار دولار على مدار العقد الماضي في مثل هذه الشركات عن طريق مؤسسات مالية موزعة في 25 دولة حول العالم. 

إلى جانب البنك الدولي، تتعاون مؤسسة التمويل الدولية مع الحكومات لدعم مبادرات عدة مثل تأسيس سجلات للضمانات، وجمع البيانات المصنفة بحسب الجنس، وتسهيل إجراءات ومتطلبات تسجيل الشركات.

في بعض الحالات كما هو الحال مع البنك اللبناني للتجارة، تساهم الخدمات الاستشارية في مؤسسة التمويل الدولية في تهيئة البيئة المناسبة لقيام مشاريع أخرى. ولمواصلة إنجازات مبادرة تمكين المرأة، أطلقت مؤسسة التمويل الدولية بالتعاون مع البنك اللبناني للتجارة عام 2016 تسهيلًا خاليًا من المخاطر من المتوقع أن يشجِّع منح قروض بقيمة 10 مليون دولار إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، 20 بالمئة منها مملوكة للنساء.

وقد شجّع نجاح برنامج البنك اللبناني للتجارة الذي يستهدف النساء عملاء المؤسسة الآخرين، بما في ذلك بنك مسقط في عُمان وبنك فلسطين، على الاستثمار في شريحة النساء. وقد ولّد ذلك الفرص لعدد من رائدات الأعمال أمثال نانسي الأسمر التي تعمل الآن على توسيع المنتجات التي تقدمها "ماديرا". وتخطط المصممة اليوم للمستقبل وتؤكد أنّ الوضع بدأ يتغيّر أيضًا في ما يخص علاقتها مع الموردين.

فتقول عن ذلك: "في البداية لم يروا أمامهم سوى امرأة، لكنهم الآن ينظرون إلى ماديرا!".

>>المقال الرئيسي على موقع مؤسسة التمويل الدولية.

>>المزيد عن النوع الاجتماعي وتمكين المرأة.


من أجل الحصول على آخر المستجدات الإقليمية في مجال الشمول المالي والتمويل الأصغر بالعربية، الرجاء الاشتراك في نشرة البوابة الشهرية ومتابعة آخر التحديثات عبر حساب البوابة على تويتر!

النوع: 
مقال
البلد: 
لبنان