إمرأتان غير عاديتين وأنظمة الدفع التي قامتا ببناءها في بلادهن!

مقال
تاريخ النشر: 
06/2017
المؤلف: 
كارول كوي بنسون، جلينبروك للاستشارات والأبحاث في مجال المدفوعات

من حسن حظي أنني كنت ضمن فريق جلينبروك الذي حضر منتدى تكنولوجيا التمويل الرقمي لتعميم الخدمات المالية في جاكرتا. لحسن الحظ أنّ امرأتين عرفتهما منذ سنوات كانتا بين الحضور، وهما مها البهو، المديرة بالبنك المركزي الأردني، وكارولينا تريفيللي، رئيسة مجلس إدارة شركة المدفوعات الرقمية في بيرو.

بيرو والأردن اثنان من بلدان عديدة حول العالم بدأت تسير بقوة نحو إنشاء منصات للمدفوعات الرقمية في عموم السوق مصممة لزيادة تعميم الخدمات المالية.

مها البهو وكارولينا تريفيللي

كنا في جاكرتا لأمر يتصل بعمل جلينبروك مع مجموعة الخدمات المالية للفقراء التابعة لمؤسسة بيل وميليندا جيتس، وعلى وجه التحديد مشروع المستوى الأول التابع للمؤسسة، وهو عبارة عن رؤية وخطة رئيسية لكيفية عمل هذه الأنظمة الوطنية على الوجه الأكمل.  ويسرني أن أقول إن كلتا منصتي الأردن وبيرو تجسدان كثيراً من مبادئ التصميم الأساسية التي يشتمل عليها مشروع المستوى الأول.

وهذا نبأ سار.  لكن ما أريد التأكيد عليه هو كيف صاغت القيادة القوية عملية تطوير هذين النظامين.  فقد كانت مها وكارولينا، كل بطريقتها الخاصة، جنرالًا ناجحًا لجيشه.  لقد قادتا مشروعيهما إلى الأمام، متعاملتين مع تعقيدات لا توصف وجماهير متنوعة وأولويات متضاربة ونماذج أعمال ملتبسة.  وقد نجحتا في ذلك.  أظن أنه لا يجانبني الصواب حين أقول إن نظام JoMoPay في الأردن ونظام BIM في بيرو ما كانا ليصلا إلى ما وصلا إليه دون قيادة هاتين السيدتين.

مها البهو ونظام JoMoPay

في الأردن، كانت مها واحدة من خبراء البنك المركزي وتدير قسم المدفوعات، حين زاد إدراكها عام 2013 بالإقصاء المالي وعواقبه على حياة الفقراء في الأردن. تصاعد هذا الشاغل بشكل حاد فيما بدأ الأردن يستقبل طوفانًا من اللاجئين، أكثرهم من سوريا. عرضت مها خواطرها الأولية بشأن تطبيق منصة مدفوعات رقمية يمكن للجميع الوصول إليها على جهاز إدارة البنك المركزي، ثم فيما بعد على "مجلس المدفوعات الوطني"، وهو مجموعة تتألف من البنوك التجارية الكبرى في الأردن.

وأتمنى لو كنت هناك لسماع تلك المناقشات المبكرة.  لقد سمعت مها تتحدث مراراً منذ ذلك الحين، وأثار إعجابي اتساع رؤيتها وقدرتها على سوق الحجج بذكاء دعمًا لوجهات نظرها، وحماسها في الإلقاء. لست مندهشة لسماعي أن البنك المركزي والمجلس وافقا - بسرعة نسبية - على خططها الرامية إلى تطوير وتشغيل JoMoPay في بيئة البنك المركزي الآمنة.

شكلت مها مجموعة عمل تضم البنوك الراغبة ومشاركين آخرين، وحرصت على التشاور معها طوال المشروع.  لكن لا شك أن البنك المركزي كان هو المسؤول الرئيسي مما اسرع الكثير من الإجراءات، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر عدم مشاركة الأطراف الفاعلة (ولا سيما البنوك) التي ستكون مشاركتها الطويلة الأجل ضرورية لنجاح المشروع.  ولكن نجحت مها في إيجاد توازن متناغم من خلال عملية مستمرة - ولا شك مرهقة - من التشاور والإقناع.

ما الذي قاموا بإنشائه إذا؟ نظام مدفوعات وطني مبني على التسويات الإجمالية الفورية يربط بين جميع المؤسسات التي تحتفظ بحسابات معاملات تخص العملاء. وهذا يشمل كلاً من البنوك والمؤسسات غير المصرفية المرخصة. غير المتعارف في الأردن أن تقوم المؤسسات غير المصرفية بإصدار نقوداً إلكترونية (بالمقارنة بالنقود الحقيقية) ونتيجة لذلك يمكن أن تنساب المعاملات بحرية بين جميع هذه المؤسسات.

بدأت مها في عام 2013 بأربعين مؤسسة مشاركة في مجموعة العمل وانطلقت أول مرحلة تجريبية في أبريل/نيسان 2014 باتصال مؤسستين بالمنصة. وبدأ التدشين الكامل في أكتوبر/تشرين الأول 2016 بست مؤسسات وينضم المزيد إلى النظام بمعدل مطرد.  نظام المدفوعات متصل أيضاً بمقدمين آخرين لخدمات الدفع وبالنظام الوطني للصرف الآلي وبمختلف مؤسسات التحويل.

ويشتمل JoMoPay على العديد من الجوانب الإيجابية التي تستحق الملاحظة، أحدها محور تركيزه هو قدرات إدارة مخاطر الاختلاس في "المركز".  فهذا يقلل الحاجة إلى ازدواجية الاستثمارات على "الحافة" (من جانب البنوك ومقدمي الخدمات الآخرين). تحتفظ البنوك بالتزامها على صعيد الامتثال، لكن يمكنها أن تستخدم برنامجاً واحداً لأداء الكثير من مهام كشف الاحتيال. المثير للاهتمام أن أحد المكونات التسهيلية هنا هو متطلب توجيه المعاملات الداخلية (on us) عبر النظام.  الملمح الثاني هو اتباع علامة تجارية موحدة في عموم النظام، وهو JoMoPay، بحيث يكون لدى الدافع والمدفوع إليه مفردات مشتركة بصرف النظر عن المؤسسة المالية.

انطمها البهو تستلم جائزة التميز في القيادة من الملك عبدالله.لق JoMoPay حاملاً في طياته العديد من الحالات المدعومة، فلم يقتصر على المعاملات فيما بين الأشخاص (نقطة الانطلاق النمطية لمثل هذه الأنظمة) بل اشتمل أيضاً على مدفوعات التجار ومدفوعات الفواتير (بما في ذلك جميع الرسوم الحكومية والمدفوعات الضريبية والمدفوعات المدرسية والمدفوعات الطبية) والمدفوعات فيما بين الشركات ومدفوعات التجارة الإلكترونية.  ويثير هذا اهتمامي بوجه خاص، إذ توجد حول العالم مشكلة واضحة مع المحافظ الخاملة أو غير المستخدمة بكثرة، حيث يستلم الشخص مبلغاً في إطار المعاملات بين الحكومة والأشخاص أو تحويلاً شخصياً، ثم "يصرف" فوراً هذا المبلغ لأنه لا يستطيع إنفاق المال في أي مكان.  يتعامل JoMoPay مع هذه المشكلة من المنبع.

عندما تتحدث مها عن تحديات تدشين JoMoPay، يتبين أن المشكلات الرئيسية كانت تتمثل في التشغيل البيني (على جميع المستويات) والمواضيع المتشابكة المتعلقة بالجوانب الاقتصادية للجهة المُصدرة، وتقاسُم الوكلاء.  ويقال إن هذه هي أصعب مشكلة تواجه إطلاق أنظمة مدفوعات تعميم الخدمات المالية: فأنت بحاجة إلى مؤسسات تستثمر وتلتزم بالمشاركة، لكنك تحتاج إلى أسعار منخفضة (وسهولة الوصول إلى الوكلاء) لخدمة الفقراء. أقنعت مها المؤسسات المشاركة بفضائل فرض رسوم منخفضة لتحقيق تعميم الخدمات المالية. وقابلت هذا بالدعم المالي لرسوم النظام طوال السنوات الأولى للمبادرة.

حجم المعاملات منخفض في هذه الشهور المبكرة، لكن هناك بوادر نمو مشجعة.  الشيء المهم أن مها قادت للتو مجهود نقل السيطرة على النظام من البنك المركزي إلى الشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص Jo-PACC، وذلك بغية ضمان وضع الإدارة المستمرة للنظام في أيدي البنوك المشاركة وفيما بعد في أيدي مقدمي الخدمات غير المصرفيين.

سأترقب بلهفة تطور هذا النظام. وأنا على يقين من أن هذا لم يكن ليتم على هذا النحو ولا بهذه السرعة كما شهدنا من دون مها ومساندة محافظ البنك المركزي ونائب المحافظ اللذين أتاحا الدعم السياسي لإحداث هذه الخطوة.  ولست وحدي التي أشارك هذا الرأي، ففي عام 2016، منح العاهل الأردني الملك عبد الله مها جائزة التميز في القيادة.

كارولينا تريفيللي ونظام BIM في بيرو

شهدت بيرو نقطة بداية مختلفة، حيث اتخذت الحكومة خطوات قوية ومبكرة، لا في تعميم الخدمات المالية فحسب، بل أيضاً في الاحتواء الاجتماعي واسع النطاق، وذلك باستحداث جهة على مستوى مجلس الوزراء، وهي وزارة التنمية والاحتواء الاجتماعي، في عام 2011. كانت كارولينا تريفيللي، الخبيرة الاقتصادية والباحثة، شخصية محورية في إنشاء الوزارة ووضع استراتيجيتها ("الاحتواء من أجل النماء") وصارت أول وزيرة لها. كانت ناشطة وتتمتع ببروز على جبهات كثيرة أثناء سنواتها الثلاث التي قضتها في الوزارة. عندما زرتها في ليما سنة 2014، شهدتُ مناسبتين منفصلتين اقترب منها في كل منهما شخص غريب في الشارع ليشكرها على خدماتها لوطنها!

في عام 2013، أصدرت الحكومة قانوناً جديداً يحدد إصدار النقود الإلكترونية، مما سمح لكل من البنوك والمؤسسات غير المصرفية المرخصة بإصدارها، وداعياً إلى التشغيل البيني فيما بين المؤسسات المشاركة.  ترك واضعو السياسات للمجتمع المالي مهمة التوصل إلى الكيفية التي يتم بها ذلك. فقررت البنوك إنشاء كيان جديد، صار في النهاية "باجوس ديخيتاليس بيروانوس" (شركة المدفوعات الرقمية البيروفية)  واُختيرت كارولينا في عام 2014 لإدارة هذه الشركة، وكانت "مستجدة" تماماً في عالم المدفوعات، لكنها كانت شخصاً يتمتع بحماس لقضية تعميم الخدمات المالية.

مرت كارولينا بوضع على النقيض من الوضع الذي واجهته مها في الأردن.  فبدلاً من تولي البنك المركزي تصميم النظام، اضطرت بدلاً من ذلك إلى بناء النظام انطلاقاً من القاعدة، بتوافق في الآراء بين المؤسسات المشاركة، وبلغ عددها 35 مؤسسة في الإحصاء الأخير.  وكما يتصور المرء، كانت هناك قضايا لا حصر لها تلزم دراستها، من البنية التقنية إلى هياكل الملكية والحوكمة إلى دعم المعاملات والجوانب الاقتصادية والعلامة التجارية. كنت أتحدث من حين إلى آخر مع كارولينا أثناء مرحلة "البناء" هذه، واتضح أن الوضع كان في بعض الأحيان "صعباً" (إن شئنا استخدام لفظ مخفف).  لكن مثابرتها (ومثابرة المصرفيين العاملين معها) وقدراتها على الإقناع آتت ثمارها. فانطلق إصدار تجريبي من محفظة النقود الرقمية (BIM) في أغسطس/آب 2015، ثم دُشنت المحفظة في فبراير/شباط 2016، مع اتصال 9 مؤسسات في البداية، وتوجد الآن 28 مؤسسة.

أحد الاختيارات غير العادية التي أقدمت عليها المجموعة البيروفية هو التعامل مع حسابات العملاء.  فبما أن القانون كان يشترط فتح حساب نقود إلكترونية منفصل للعميل (يستطيع العميل الذي يملك حساباً مصرفياً تحويل النقود من حسابه المصرفي "الحقيقي" إلى حساب "النقود الإلكترونية" الخاص به)، كان لزاماً على جميع المؤسسات أن تجد طريقة لدعم المحافظ، وكذلك التشغيل البيني.  أسفرت عملية الدعوة لتقديم العروض عن اختيار مورد واحد وهو إريكسون لتقديم خدمات المحفظة للمصدرين ولنظام التحويل.  كان هذا يعني، من منظور تقني، أن التحويلات بين المحافظ تشبه المعاملات الداخلية (on-us)، وهو حل تبسيطي لبدء الخدمة.  كما أنه أتاح تجربة موحدة لجميع المستهلكين عبر مقدمي الخدمات؛ لأن واجهة المستخدم/ شاشات الرموز السريعة USSD موحدة فيما يخص جميع محافظ نظام محفظة النقود الرقمية. (تنص الاتفاقية المبرمة مع إريكسون على أنه يجوز للمُصدر أن يختار استخدام محفظة أخرى، ويظل بإمكانه الاتصال البيني على المنصة).

 

محفظة النقود الرقمية في بيرو - "كل شيء أسرع !"

أي المراحل كانت أصعب في طرح الخدمة في السوق؟  ذكرت كارولينا العديد من هذه الصعاب، ومنها: إقناع المؤسسات المالية باستخدام علامة تجارية موحدة (BIM)، والتوصل إلى اتفاق على هيكل رسوم موحد (منخفض!) للمستهلكين ريثما تصل الخدمة إلى نقطة التعادل، وإقناع هيئة تنظيم الاتصالات بالسماح لمشغلي شبكات الجوال بالتفاوض مع باجوس ديخيتاليس بيروانوس كمؤسسة واحدة لا بشكل فردي مع كل مؤسسة مالية (فيما يخص رسوم الوصول إلى الرموز السريعة)، وأخيراً وليس آخراً قضايا كيفية صياغة قواعد تشغيل بشكل تعاوني في ظل ذلك العدد الكبير من المؤسسات المشاركة.

التحدي الأكبر الراهن الذي يواجه محفظة النقود الرقمية هو التشغيل البيني بين الوكلاء، والجوانب الاقتصادية المحيطة بذلك، وإدارة وظائف الإيداع والسحب النقدي.  على الرغم من أن كارولينا تركت الإدارة الفعلية لباجوس ديخيتاليس بيروانوس (ما زالت تشغل منصب رئيس مجلس الإدارة)، فإنها تواصل عملها مع الآخرين.  وتتمثل أحدث مبادرة في إنشاء ما تشير إليه باسم "بيمرز" BIMers، وهم أفراد يعملون على نحو أشبه بصرافات آلية متنقلة، وذلك بالشراكة مع وكيل ذي موقع ثابت. اعتبر هؤلاء وكأنهم "أُوبر الإيداع والسحب النقدي".

النظر إلى المستقبل

ما زال كل من JoMoPay وBIM في مهده، مواجهاً تحدي استقطاب المستهلكين ثم ضمان استخدام هؤلاء المستهلكين لمحافظهم.  وتتطلب هذه النقطة الأخيرة، كما تدرك كل من مها وكارولينا تمام الإدراك، تفعيل قبول التجار، مما يجعل النقود "صالحة للإنفاق".  وهناك جهود عديدة جارية في كلا البلدين لتحقيق هذا الغرض.

الزمن وحده بالطبع هو الذي سيحكي لنا قصة نجاح (أو إخفاق) هاتين الخدمتين في نهاية المطاف. لكني على يقين من أن مسار هذين البرنامجين بالغ السرعة، من مرحلة التصور إلي الواقع، يمكن أن يعزى إلى شخصيتي قائدتيهما وقدراتهما وقناعاتهما. أدرك أن هناك نظرية "الرجل العظيم" في التاريخ، ومفادها أن أفراداً معينين على درجة عالية من التأثير، بفضل ما يتمتعون به من شخصية جذابة أو ذكاء أو حكمة أو مهارة سياسية، تمكنوا من إحداث تأثير حاسم على التاريخ.  وهنا لدينا "امرأتان عظيمتان" لا شك أنهما أحدثتا تأثيراً إيجابياً في بلديهما.

*تم نشر المقال الرئيسي بالإنجليزية على مدونة مجموعة جلينبروك عن أنظمة المدفوعات حول العالم.


من أجل الحصول على آخر المستجدات الإقليمية في مجال الشمول المالي والتمويل الأصغر بالعربية، الرجاء الاشتراك في نشرة البوابة الشهرية عبر هذا الرابط.

النوع: 
مقال
البلدان: 
الأردن، بيرو